By Dr. Samir Geagea, 16 Sept 1991 “Yawm L Chahid”

Discours et Textes, Samir Geagea

كلمة الدكتور سمير جعجع
١٦أيلول ١٩٩١

وبعد انتهاء القداس ألقى قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع الكلمة التالية.

قوافل الأبطال
رفاقي الشهداء
إخوتي وأخواتي في المقاومة
أيها المواطنون

من جوار سيدة لبنان، إلى الرفاق الذين يجاورون الرب ومختاريه، تحية!…تحية تختصر كما العطر كل الربيع، والكلمة كل الكتب، والدمعة كل العيون، والنبضة كل القلوب. هكذا هي تحية تختصر كل الحب والوفاء والإكبار لكم، يا من اختصرتم ملاحم البطولات وساحات الشرف بالشهادة، حيث الموت عرس فخر للأبطال.

فيا شهداءنا الأبطال، في البال أنتم والقلب وضمير القضية، إنكم معنا كما الذخائر تحفظ في الصدور، وكما النذور تقطع في الشدائد. نحن قوم، لا يقتل لهم الشهيد مرتين مرة بالحرب ومرة بالنكران. وتيقنوا، أنكم الأعصار الذي يجتمع فينا ليعصف كلما تهدد كياننا الخطر. واطمئنوا حيث أنتم، فلن تكونوا مجرد ذكرى يبرّد مرور الزمن حرارتها، وينال التزوير من حقيقتها. نحن قوم، لا يقفون على الأطلال بكائين، ندابين، متبارين في الخطب، مقتنصين المناسبات. نحن قوم، يأبؤنا أن يفترى على دم الشهيد بلعق من هنا، وغسل اليدين من هناك. نحن قوم، لا نفرّط بتراث المقاومين في زمن المتاجرين، ولا نحيد عن خط حددناه بالدم، طريقا إلى الحق والحرية والسلام الحصين.

قدرنا أن نكون مشروع وطن، مشروع إنسان، مشروع مستقبل. ودعوتنا أن نكون للشهادة قوافل قوافل، تبدأ من فجر التاريخ، ولا تنتهي إلا ببزوغ لبنان منارة للحرية، ومرتعا للعنفوان، وصرحا للحضارة، وضمانة لمستقبل كل بنيه ومجموعاته على السواء. وطنا لا تقوى عليه قوى الشر، وشهوات الفاتحين، وشهية الطارئين. ونظاما لا تهزه العواصف، ولا يخرق بانقسام العواطف، ولا يحكم بالقهر والتناتش والعقل البليد. وطنا ونظاما، لا يرغمان الأجيال على حمل السلاح كلما خطر للخطر أن يداهم مرة بعد مرة. هذا قدرنا وهذه دعوتنا، وإننا لسائرون.

فيا شهدائنا الأبطال لا تحزنوا، إذا تنكّر لكم من الأحياء من هو ميت في الحياة. فكيف يقدر فضل الشهيد وشجاعة الشجعان من كان في يده القرار والسلاح، ولم يخرج للدفاع عن أرض وعنه. وكيف يشعر شعورنا الساعة، من لم يمت على كتفه رفيق، ومن لم يقف يوما على قبر شهيد.

يا أبطالنا الغائبين الحاضرين، لا تطلبوا العرفان بالجميل ممن يقايضون الوطن بالمناصب، والمصير بالمصالح، والشرف بالترف، ودموع الثكالى بالسمسرة، وقلق اليتامى بالصفقات.هؤلاء حثالة، مطلية بالخداع والغش والرياء والكذب. وهؤلاء طفيليون، لا ينبتون إلا على الحفافي والهوامش، ولا يعيشون إلا من تعب الأصيلين وعرقهم. أما أنتم يا شهداءنا الأبطال، فحسبكم أنكم تكرّمون اليوم من شعبكم وأهلكم والرفاق. وحسبكم أيضا، أنكم تنصفون من التاريخ والناس الطيبين. وحسبكم، أنكم تساقطتم في سبيل الواجب ولم تسقطوا، تلقيتم بالصدور كل طلقة وطعنة لتردوا عن الوطن غدر الغادرين.

وحسبنا، أنكم أحياء فينا أمثولة لا تنسى، وذكريات لا تمحى، من طلائعكم إلى آخر قوافلكم.

وحسب لبنان أنه ما افتقدكم، إلا وجدكم على مسافة محنته وغياب سلطته. فلولاكم ولولا تعب رفاقكم وعرقهم، لما بقي لنا وطن إسمه لبنان، ولما بقي له دولة لبنانية، ولما بقي على أرضه للحرية متر مربع واحد.

ويا شهداءنا الأبطال، لئن نسي البعض أو تناسى، كيف تسللت الدولة على رؤوس أصابعها وتوارت منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب. فأخلت الساح ونكسّت السلاح في وجه المتربصين بالوطن والمواطن شرا وقهرا. ولئن نسي البعض أو تناسى، كيف تنصلت الدولة من واجبها يوم وصلت سكين الغريب إلى عنق نسائنا وشيوخنا والأطفال، فساعدت المتآمرين على دك الصروح والفتك بالمؤسسات واستباحة الأرواح والمقدسات. ولئن نسي البعض أو تناسى، كيف أن أهلنا استفردوا مع غياب حماة الديار، فخرجوا للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، فيما أهل الحكم والسياسة يتجادلون في جنس الملائكة، ويتهافتون ويتسابقون زحفا إلى كل باب عال لنيل الرضى وحفظ الرؤوس. ولئن نسي البعض أو تناسى، كيف أنه جلس في صفوف المتفرجين على أعراس الدم بعدما شرع للفتنة بابا وللطامعين أبوابا. ولئن نسي البعض أو تناسى، أنه مسؤول أمام الله والشعب والتاريخ، عن كل الدم والدمار وصفحات السواد والعار، إما بالتآمر أو التنصّل أو السكوت، وإما بالسياحة بين جولة وجولة أو التنقل بالشعارات على حسب اتجاه الريح ورجحان كفة الميزان. ولئن نسي هذا البعض أو تناسى، فالله لا ينسى، والشعب لا ينسى، والتاريخ لا ينسى، كيف تم دفع الأبرياء إلى الغرباء كما تدفع الخرفان إلى أفواه الذئاب. وكيف صنع القدر من المواطنين المسالمين، مقاومين ومقاتلين. وكيف انتظمت الصفوف، واتحدت البنادق لدرء الخطر المداهم وسد الفراغ الرهيب الذي تركته الشرعية بغيابها غير المشروع. والتاريخ لا ينسى، أولئك المفاخرين الفارغين، الذين يتشدقون اليوم بشعارات وتلفيقات، محاولين التملص من حكم التاريخ والشعب متقنعين بأثواب الزهد والنسك والغفران، معتزين بأنهم يحترفون ألاعيب السياسية ويجهلون فنون القتال، وبأن الحرب لم تلطخ لهم سجلا بنقطة دم أو عرق. وكأن الحرب التي تعرض لها الشعب اللبناني وقعت على أرض أخرى، واستهدفت شعبا آخر لا علاقة لهم به. فإذا بهم يدينون أنفسهم بأنفسهم، معترفين بالفر عندما يدق النفير، وبالكر عندما يزول الخطر.

 الشعب لن ينسى
والتاريخ لن ينسى 

لكن الشعب لا ينسى، لكن التاريخ لا ينسى، أن هؤلاء المرتزقة إياهم هم هم، في الحرب والسلم، وجهان لعملة واحدة. وهم هم، من تركوا أهلهم يواجهون أخطارالموت والإبادة والتشريد، ومحاولات الترهيب والتركيع والإخضاع في كل يوم.وهم هم، من يزوّرون الحقائق ويقتلون الشهداء مرتين، عندما يحاولون الإيحاء بأن الحرب كانت غاية وهواية في سنواتها العصبية، وكأنما نحن اللبنانيين من اشتهاها وأرادها لتحصد ألوف الضحايا وتدمر وتحرق جنى أعمار الجدود والآباء، وأحلام الأبناء والأحفاد. وكأنما الحرب لم تكن بنت خطة لتقويض دعائم الدولة اللبنانية، والسيطرة على لبنان حجرا وبشرا. وهم هم، من يعرفون وينكرون الحقيقة المرة. فلو أدت الدولة قسطها الأدنى للحفاظ على سيادتها ومؤسساتها وشعبها، لخنقت المؤامرة في مهدها وأنهت الحرب في غضون أيام وأسابيع.

فيا شهدائنا الأبرار، لا تخافوا ولا تلعنوا هذه الأرض، لأن أشباه الرجال أولئك ليسوا لهذه الارض. هذه الأرض، التي تبقى لكم ولأولادكم من بعدكم ولكل الاحرار الأبرار الذي يدافعون عنها، ويتشبثون بها مهما جار الزمن وقست الظروف. أما تبعات الحرب، ففي عنق تجار السياسة وطلاب النفوذ على حساب الوطن.

إنها من سخريات القدر، أن يصبح المجرم بطلا، يتباهى بتحميل الضحية مسؤولية الإعتداء عليه. وكأنما كان المطلوب أن يدخل عليك الغريب بسيفه، فتقدم له العنق للذبح بفرح عظيم.وكأنما كان المطلوب أن تغيب الدولة وتتساقط أعمدة الهيكل على الرؤوس ولا يحرك المواطن ساكنا، لكي تنتصر نظرية أولئك المتشدقين اليوم ببطولاتهم السياسية، الفارغة من أي مضمون والقائمة على التنكر للشهداء.

وما هو يا شهدائنا الأبطال عند الشعب والوطن، مقاومة، هو عندهم ميليشيات خارجة على القانون وتستحق العقاب .÷÷÷÷÷÷÷

وينصّبون من أنفسهم، قضاة تاريخيين لمحاكمة الأبرياء وتبرئة الأعداء. وهكذا أصبحت النخوة، والغيرة، والإلتزام بالوطن، والتضحية بالذات، والموت في سبيل الواجب، محط انتقاد وتجريح من قبل من لفظهم التاريخ. فجاءت الظروف والصدف لتعيدهم من حيث لا يعلمون إلى واجهة الأحداث، موزعين روائحهم النتنة ونقيقهم الفارغ على كل المسامع.

ولكن مهلا مهلا أيها السادة، فللتاريخ تاريخ مشهود، فهو يمهل ولا يهمل، يغض الطرف أحيانا  لكنه لا ينسى، يتغاضى لبعض الوقت لكنه لا يرحم.

        نحن هنا، المقاومة هنا، لبنان هنا، وبئس الرجعيين المرتجعين من التحنيط والماضي البغيض. والخلود والبقاء … لشهدائنا الأبطال ، للمقاومة ، وللبنان.

        أيها الرفاق، معا قاتلنا وبفخر، سنين طويلة من أجل السلام والحرية ولبنان. وبعد مسافة نضال ومخاض عسير، وقعت أحداث بالصدفة لأن صاحبها لم يكن يدري ماذا يفعل. فإذا بنا أمام ثغرة صغيرة في الجدار المسدود تسمح بالعبور إلى الحوار والسلام، كبديل من العنف والقتال … لم نتردد لحظة واحدة، واندفعنا بكل قوة وقدرة في الطريق إلى الحوار الموعود والسلام المنشود. وكنا مدركين أننا نضحي بغال ورخيص في سبيل السلام والوفاق، مقنتعين بأن لا شيء في الدنيا أغلى من السلام، ولا سبيل أرقى من الوفاق. فما تحفظنا، وقد لاح في الأفق طيف لبنان الجديد، وبدت في الصورة ملامح الجمهورية الثانية ، ونحن نتوق œ كما كل الشعب œ إلى هذا وتلك . فماذا كانت النتيجة؟

        وطن مرصود   ومطهر ارضي

وكأننا في وطن مرصود، حكم علينا فيه بمطهر أرضي طويل قبل ساعة القيامة .

        لقد انقضّى الكتبة والفريسيّون، الجهلة، ورثة السلطنة العثمانية، رجال المنافع الشخصية، أكلة الجبنة، وأي شيء آخر يقدم إليهم… لقد انقضّوا جميعا على فرصة السلام والوفاق، وهم يتناتشونهاعلى موائد مصالحهم الذاتية، ويتشاتمون من أجل تقاسمها. ولو كان الأمر كله بيدهم لأضاعوها، وأضاعوا معها سانحة تاريخية ذهبية تسنت للبنان.

        فهل هذا الذي يجري الآن هو ما بذل عشرات الآلاف من اللبنانيين من مختلف الإتجاهات أرواحهم وممتلكاتهم من أجله؟ أهذه هي الجمهورية التي دغدغت أحلامنا، ومنينا بها النفس والآمال؟

        أهذه هي الجمهورية الثانية التي يفترض أن تأتي بعد الأولى، فجاءت قبلها بقرون وأعادتنا إلى ذهنية العصور الحجرية؟

        أهذه الحكومة فعلا حكومة؟ وهل تحمل في طياتها ملمحا واحدا من ملامح الوفاق الوطني الموعود؟ أم إنها حكومة، تذكرنا بالشواهد والقرائن، بأننا شعب حكم عليه طويلا، بالتزوير العلني، والسطحية المتسلطة، والمداهنة المكشوفة ، والرياء المتبادل، والوقائع المحورة والحقاق المتقلبة؟

        هل يستطيع أحد أن يسمي لنا واحدة من المجموعات الأساسية التي يتكوّن منها لبنان راضية بما يجري؟ ونسأل كل من يتابع بيانات الاحزاب والقوى السياسية الرئيسية في البلاد أن يدلنا على واحدة منها تعلن قبولها الوضع القائم على الساحة اللبنانية.

        سلام من هذا الذي يتكلمون عليه إذا، ووفاق من مع من؟

        ومنذ متى كان التقليديون والمتخلفون والرجعيون يمثلون تطلعات اللبنانيين ويجسدون أحلامهم ويجدون حلولا لمشاكلهم وخلافاتهم … لنأمل خيرا كلما التأموا باسم التوافق وأطلقوا الوعود والعهود.

        أي سخرية ساقها القدر إلينا، حين أوكلت مهمة بناء لبنان الجديد إلى الذين كانوا السبب في خراب لبنان القديم. فكأنما يصح في الواقع الملموس ما يصح في شعر الخمريات … فتأتي مداواة لبنان  بالذين كانوا هم الداء. وإذا كان من حق المواطنين أن يسألوا: أهذا هو لبنان الجديد الذي طالما افتديناه وانتظرناه؟

        فحريّ بأي مسؤول أن يسأل نفسه: لماذا لم يبادر لبناني واحد يقيم في الخارج بالعودة واستثمار أمواله في الوطن الأم على رغم الإنفراجات الأمنية الحالية،÷ وما يدبج فيها من خطابات ويبنى على أساسها من إيجابيات وتنبؤات؟

        ولماذا لم تنتعش الحياة في حركة الإقتصاد، وتنبعث الحوافز في نفوس المواطنين الذين لم يوظفوا قرشا في مشروع، ولم يجرؤوا بعد على ترميم مصنع، أو تحريك آلة. عداك عن التراجع في مرافق البناء والعمران، وسوق العرض والطلب، وغيرها من مقاييس الثقة بالحاضر والإطمئنان إلى المستقبل؟

      خلل ما  يكبل الناس

أفيعقل أن تبقى وتيرة الأنشطة الإقتصادية والتجارية والطاقات الإنتاجية على ما كانت عليه في عز أيام القتال والتشرذم والتدهور الأمني … لا بل اسوأ؟

        ألم يلاحظ المسؤولون أن ثمة خطبا ما، أو خللا ما، في مكان ما،  يكبل الناس ويوقف مسيرة لبنان الجديد؟
ألم يلاحظ المسؤولون كيف أن القلق يعمّ البلاد والعباد؟ ألم يستطلعوا أخبار الناس ليعرفوا أن الناس في واد وهم في واد؟

        إن فعلوا، لعلموا أن المواطن اليوم في غربة قاتلة في الوطن وعن كل ما يجري داخل الوطن.

        ألم يسألوا المسؤولون عن همسات الناس في الشارع والتساؤولات التي بلغت حد الضياع، الجماع عن المسيرة والمسار والمصير؟

        ألم يرى المسؤولون إنعكاس الهدوء الأمني إضطرابا نفسيا؟ وقلقا كيانيا ويأسا عموميا على مستوى الأفراد والجماعات، فيما العكس هو المنتظر لو كان المسار صحيحا؟

        ألم يقرأ المسؤولون خيبات الأمل في الوجوه وعلى الجباه . أو لم يفقهوا بعد أن الشعب كفر وهو يؤى الفرصة التي أضاء من أجلها الشموع تسحق بأرجل القيمين على إعطائها كل اسباب الحياة والنجاح؟ أي لبنان جديدا يتكلمون عليه؟ وأي مشكلة عضوية واحدة على الأقل من مئات المشاكل والصعوبات يستطيع أي منهم إدعاء حلها؟

        هل تم الإتفاق بين اللبنانيين؟ بالشكل ربما، بالفعل والعمق ابدا.

        هل تم وضع خطة أو مسودة خطة لجعل اللبنانيين يتفقوا فيما بينهم؟  كلا، بل إن المسؤولين إياهم فضّلوا الإستعاضة عن الإتفاق اللبناني œ اللبناني بالعمق،  بتوافق بعض المراهنين على تقسيم بعض المصالح فيما بينهم. حتى هذا، اختلفوا عليه في منتصف الطريق.

        هل بسطت الدولة سيادتها على كامل التراب اللبناني، وتبسيطا هل هي في الطريق إلى بسط هذه السيادة؟ كلا، علما أن الدولة اكتفت ببعض البطولات والعنتريات على بعض اللبنانيين الطيبين في صيدا، وعاليه، وكسروان، وبشري، وزغرتا، وتركت ما هو أبعد من صيدا، وزغرتا، للمجهول ….

        هل تمت المصالحة بين المتقاتلين برعاية الدولة؟ وهل ارتفع التسامح المتبادل فوق الحساسيات المتراكمة منذ خمسة عشر عاما تطلعا إلى واقع افضل؟ أيضا كلا، لا بل سعت الدولة إلى عكس المطلوب، فأعادت من خلال قانون عفوها الشهير فتح الجراح كلها … وأسالت من الدماء من جديد.

        ونسأل: هل عاد المهجّرون إلى كل المناطق اللبنانية، فاستعاد كل منزله، ودفئا وأرضا وقوتا وبيتا للصلاة ومقبرة وتراثا؟ كلا وألف كلا.

 فقدان الثقة   اقليميا ودوليا

أين أصبحت المساعدات العربية والدولية الموعودة بعد إعلان إنهاء الحرب، واستلام الدولة كل مقدراتها؟ إن كل الدول الصديقة، القريبة منها والبعيدة أحجمت عن تقديم الدعم لصندوق لم ير النور بعد، مما يعني فقدان الثقة الإقليمية والدولية بالحكومة وممارستها، فما الذي فعلته الدولة إذا؟كافحت استعمال الزمامير،  وشجعت فن المرابع الليلية؟ نفست اصلاح الإدارة؟  وما غاب عن الحكومة تنبه له بعض الوزراء،  إذ رأى مؤسسات ناجحة في القطاع الخاص،  فرفع معوله ليردمها،  ويساوي بينها وبين الأرض، من قبيل مساواة الكل بالكل؟ ويأتيك البعض بتنظيرات ونظريات عن إنجازات تمّت على يد الحكومة.  ويذكرونك بالديك الذي يصيح مع مطلع الشمس،  ويظن بأنه بصياحه هو الذي جعل الشمس تشرق. وحكاية الديك إياه تنطبق على حكاية ما تحقق على صعيد بعض الخطوات الأمنية والتي مع الأسف جاء الكثير منها منقوصاً.  فما حصل على هذا المستوى كان نتاج إرادتنا في السلام وتوافق دوليœ إقليمي محدد المعالم، ومعروفاً بالتمام والكمال.  فنسب ديك الحكومة هذه الخطوات الأمنية إلى نتاج العقول النيرة والأدمغة المحنطة والنفوس المنغلقة في الحكومة إياها، علماً أن بعض الوزراء لا يعرفون في معظم الأوقات ما يدور حولهم في الجلسات ولا يطلعون على قرارات تحمل توقيعهم.

        فأي سلام لأي لبنان؟  وأي رجال لأي دولة، وأي دولة لأي رجال؟ صفة تمثيلية معدومة، صدقية مفقودة، خلافات على مدار الساعة، عقم مستفيض، إدارات وإردات مشلولة، مراكز شاغرة، فساد مستشرٍ، تقليد قاتل، تخلف مستفحل، جهل مطبق، لا التزام، لا تضحية، لا تدبير، لا وفاء، أضف الى ذلك كلّه لا أخلاقية تظلّل كل شيء.

أهذا هو لبنان الجديد الذي طالما انتظرناه وانتظرتموه؟

 تلاعب بمبادئ
الوفاق ومسيرته

         وبعد، لقد أيدت القوات اللبنانية مبادئ الوفاق الوطني كما أقرّت في الطائف كمدخل لفتح صفحة جديدة في لبنان.  واستبدال لغة العنف التي لم ولن تؤدي إلى أي نتيجة بلغة التعقل والحوار التي هي وحدها الكفيلة بإيصالنا إلى لبناننا المنشود. لكن، ويا للأسف جرى التلاعب بشكل فاضح بمبادئ الوفاق ومسيرته، مما جعله عملية فارغة من أي مضمون، قاصرة عن أي حل، عاجزة عن أي تقدّم، باستثناء ما يتحقق بدفع من التوافق الإقليمي والدولي.

        وإنه لمن المبكي حقاً، أن نرى مشروع وفاق يضيع من بين أيدينا في متاهات التخلف والرجعية والعقم والتقليد والمصالح الشخصية، إنما ما زلنا أمينين لمبادئ الوفاق الوطني. في الوقت الذي نرى أنفسنا غرباء عن كل ما يجري،  حاولنا غير مرة، وفي غير مناسبة تصويب وتصحيح ما يجري لكن دون جدوى.

÷÷÷÷÷÷ إن ما يجري يطعن في الصميم مبادئ الوفاق الوطني. إن الأحداث اليومية الصغيرة التي نعيشها بعيدة كل البعد عن كل ما يمكن أن ينقلنا من حال الحرب إلى حال السلم، ومن لبنان العتيق إلى لبنان الجديد. فليتحمل من بيدهم الحل والربط مسؤولية ضياع هذه الفرصة التاريخية. وليتحمل اليوم من هم في مراكز القرار لعنة الأجيال القادمة عليهم.

وليعرفوا أنهم من حيث يدرون أو لا يدرون هم أعداء شعبهم ومضطهدوه العابثون بفرحه وبأمنه وقوته ومستقبله، وليعلموا أنهم من حيث يدرون أو لا يدرون فاعلون ما يحمل في طياته بذور فناء لبنان.

أيها اللبنانيون، هذه ليست المرة الأولى في تاريخنا التي نواجه فيها أوضاعا صعبة ودقيقة، ولن تكون الأخيرة. إن الممارسات الحالية وما تلحقه من ضرر بالبلاد والعباد هي هي التي شهدناها منذ أيام الإستقلال وحتى الساعة نتيجة مدرسة العقول الضحلة والآفاق الرجعية والنفوس المريضة والنوايا السيئة والجهل والقصر والمحل. لذلك، فإن الذي يجري ليس بجديد علينا ولا هو بمستغرب لدينا، خصوصا بعد مجموعة الأخطاء الفادحة التي ارتكبت في السنوات الأخيرة من تاريخنا.

إن لبنان وطننا وفيه باقون، إن مجتمعنا عظيم وله عاملون، إن إنساننا طيب، ومن أجله مستشهدون.

÷÷÷÷÷÷÷ “ألف عام في عينك يا رب كأمس الذي عبر”، وهكذا صعوبات هذه المرحلة العابرة لن تكون عقبة أبدا.

÷÷÷÷÷÷÷ إن هذه الأرض لن تبخل بالسنابل والرجال كما دائما. إن هذا الانسان لن يركع كما أبدا. ليبقى إيماننا بوطننا وأنفسنا صلبا، ليكن لنا سراجا ينير دروبنا ويقهر الظلام.

إن القوات اللبنانية باقية هي هي مقاومة دائمة في سبيل لبنان، كنا وسنبقى مع مبادئ الوفاق الوطني لكننا لا نقبل أبدا ما هو حاصل.

فيا أخي المواطن، بعد أن هدأت لغة العنف أصبح واجبا علينا جميعا دون خوف أو تردد أن نساهم في العمل تجاه وطننا وأولادنا والأجيال الآتية، إنك بوعيك وإيمانك المقدس قادر على تخطي الكثير من الصعوبات.

فلنجتمع سوية، ونعقد الخناصر ضمن الأطر السياسية والديمقراطية المعمول بها، وضمن القوانين اللبنانية المرعية الإجراء لمحاولة إيقاف المجون القائم، وتقويم الإنحراف السائد، ووقف التدهور المستمر.

إن مجرد السكوت عن الخطأ، هو مشاركة في الخطأ، فلنتحمل جميعا مسؤولية لبنان جديدا على أبواب حقبة دولية جديدة، عناوينها الأساسية، السلام ، الحرية، الديمقراطية ، تحرر الشعوب والمجتمعات، وحقها في تقرير المصير.

÷÷÷÷÷÷÷ إن لبنان لا يستطيع أن يسير عكس التاريخ، ومسيرة النظام الدولي الجديد ستؤثر حكما في الأوضاع القائمة في بلادنا. فلنستعد جميعا، ونعمل بكل ما أوتينا من قوة، لإعادة مسيرة الوفاق إلى جوهرها وروحها الأصيلة وترجمتها لبنان جديدا، بانسجام تام مع رياح التحرر الدولي.

إن ما يجري في لبنان لا يعبرّ أبدا عن طموحاتنا، وعن الإتجاهات العالمية الجديدة. لذلك لن نسكت، لن نرتاح، لن نستكين حتى الوصول إلى لبناننا المنشود.

÷÷÷÷÷÷÷ أما أنتم رفاقي الشهداء، فقريري العيون ناموا. كما سلمتمونا الأمانة سنسلمها بدورنا للأجيال الآتية، قضية مقدسة، نضالا مستمرا، حتى تحقيق كل ما آمنتم به، وضحيتم من أجله، واستشهدتم في سبيله.

÷÷÷÷÷÷÷ إن البعض يحاول في الوقت الحاضر، الضغط والإرهاب على الحريات بشتىّ الوسائل. وفاتهم، أن لبنان من دون حرية يصبح خطوطا إضافية على الخريطة. وفاتهم، أن كل محاولات خنق الحريات السابقة إنتهت الى ما تعرفون. وفاتهم، أننا جيل آلاف الشهداء. وفاتهم، أن من لم يخف الموت لن يهاب الضغوط والقمع والتسلط.

أما أنت يا أم الشهيد، فمهما قلنا وقلنا لا يدرك ما في قلبك إلا أنت… وهو. ليس هناك شهيد بلا أم، ولا أم بلا أبناء، ولا أبناء بلا وطن ولا وطن بلا أم. فعشت يا أم الشهيد، والخلود لشهدائنا الأبرار، عاشت المقاومات اللبنانية، عاش لبنان!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s