Samir Geagea the Revolutionary: Legality of the Gun

Discours et Textes, Samir Geagea

سمير جعجع المنتفض : “شرعيَة البندقيَة”

“عملها”. كلمة اختصرت طريق سمير جعجع من دير القطارة قرب ميفوق الى غرفة قيادة “القوات اللبنانية” في مجلس الامن الكتائبي في الكرنتينا. انه 12 آذار 1985. الرئيس امين الجمَيل يهيىء نفسه للسفر الى موسكو للمشاركة في مأتم الزعيم السوفياتي قسطنطين تشيرننكو، لكنه فجأة يجد نفسه في بيت الكتائب المركزي في الصيفي، يبحث مع كبار المسؤولين الكتائبيين في طريقة التصدي لهذا المقاتل الشمالي الذي رفض الانصياع لأوامر الحزب .

سمير جعجع احتلَ الساحة المسيحية بعد “عملية 12 آذار”، وان لم يكن مجهولاً قبلها، ولكن كرئيس فرقة شمالية، محدود الاقامة والهدف .

الشرارة جاءت من الشمال ، وتحديداً من حاجز البربارة الذي “أمر” حزب الكتائب سمير جعجع بازالته ، فرفض معيداً النظر في كل ما حقَقه الرئيس الكتائبي في خلال سنوات حكمه بين 1982 و1985. وكان السؤال المطروح في حينه : هل الكتائب حزب حاكم ام هي حزب الحاكم ؟

وبرز الخلاف الحاد بين اتجاهين : مؤيدون للرئيس الجميل يطلبون من المسيحيين وضع كل الاوراق في يده ، ومؤيدون للرئيس الجميل يطلبون الابقاء على ورقة خط الرجعة ، في يد “القوات اللبنانية ” لتكون خط الدفاع النهائي حين يضطر المسيحيون الى قول “لا” لأي طرف ” يحشرهم في الزاوية “.

ولم تنفع المداولات في اقناع اي من الفريقين ، بالتراجع عن موقفه . وجاء امر ازالة حاجز البربارة ليضع جعجع في “مواجهة ” عمليَة مع الفريق الاول وليطلق دوامة النزاعات دخل الصف المسيحي. أما طرده من الحزب فكان عود الكبريت الذي اقترب من الفتيل وكاد ان يفجر المنطقة الشرقية .

ففيما مجلس الوزراء يتابع خلواته في بكفيا ويضع مشاريع وفاقية ، طرحت مجدداً مسألة ازالة حاجز البربارة على الطريق بين جبيل والبترون ، فصرح جعجع ل “وكالة الانباء الصحافية ” انه سبق له تقديم ورقة عمل الى المكتب السياسي في الحزب ، تاريخها 17 كانون الثاني 1984، اوضح فيها ان الحاجز “ليس حاجزاً عسكرياً مادياً بسيطاً انما ورقة سياسية- عسكرية- امنية تدخل في اطار المشكلة الشمالية ككل “، وانه يرفض ازالته “إلا في اطار خطة امنية شاملة متكاملة للشمال “، ملاحظاً نشوء خلل على مستوى القرار المسيحي عموماً والكتائبي خصوصاً، وآخذاً على المجتمع المسيحي وحزب الكتائب عدم وجود مشروع حلَ يكون هدفا لنضالنا وتضحياتنا، مما ينعكس “أزمة وجود ومصير”.

هذا الكلام الذي ادى الى قرار حزب الكتائب طرد جعجع من بين صفوفه ، لم يقرأه أحد لأن الصحف لم تنشره . فالدوائر القريبة من قصر بعبدا سعت لدى معظم الصحف لتجاهله لانه يهدف الى “خربطة” نتائج اجتماعات بكفيا، خصوصاً بعد مصالحة الرئيس امين الجميل والوزيرين وليد جنبلاط ونبيه بري وحضور نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام الى بكفيا لهذه الغاية . وانعقد مجلس الوزراء في بكفيا بكامل اعضائه وفي حضور خدام … لكن بعض الشباب في القوات اللبنانية , شاؤوا في هذه المناسبة ان يظهروا تمردهم على امرين :

– انفراد الرئيس ، يماشيه حزب الكتائب ، في اتخاذ قرارات مهمة من دون اثسراك ممثل عن القوات فيها، بينما تتمثل بقية الميليشيات في الحكومة .

-عدم الرضوخ لاستمرار الحزب في وضع يده على مالية القوات وعلى قرارها السياسي.

وخيَم على المنطقة الشرقية شبح حرب داخلية لا تقل خطورة عن المعارك مع انصار الرئيس سليمان فرنجيه في الشمال ، وعن تصفية الحسابات مع حزب الوطنيين الاحرار في الصفرا والاشرفية والحدث ، ذلك بأن الانشقاق انتقل هذه المرة الى داخل الحزب الواحد.

ومر “القطوع ” عسكرياً في الاقل ، لأن جعجع ومؤيديه حرصوا على عدم اطلاق رصاصة واحدة في اتجاه شباب المتن اي المؤيدين للرئيس الجميَل . وامض جعجع ليل 12،13 آذار في ثكنة للقوات في ادونيس ، يستقبل العسكريين ويؤكد لهم على الطابع اللاعنفي للحركة وعلى ضرورة الانضباط وعدم الرد على اقفال الطرق بعمليات مماثلة حتى لا يتصدع الصف المسيحي نهائياً.

وتدخَلت بكركي بناء على طلب من الفريقين لتقريب وجهات النظر. وتحوَل مجلس الامن الكتائبي خلية لا تهدأ. فؤاد ابو ناضر يحاول استعادة زمام الامور واسترداد القرار القواتي الحر، جعجع يحوطه ايلي حبيقة وكريم بقرادوني وآخرون ، يسعى الى تركيز مكاسب الحركة والاستمرار في خطه الهادىء، انما الثابت ، في عدم المساومة . فكان ان تألفت قيادة جماعية للقوات اعفت ابو ناضر من القيادة واعطتها لهيئة تنفيذية مؤلفة من رئيس الاركان سمير جعجع ، ايلي حبيقة ، كريم بقرادوني، فادي افرام ، انطوان بريدي، شارل غسطين ، ايلي اسود، اتيان صقر، فوزي محفوظ ، جورج عدوان .

وقبل ان يستتب الامر للمنتفضين انفتحت معارك عنيفة بين اللواء الثاني عشر في الجيش “والقوات اللبنانية ” في الجنوب . وتولى بقرادوني المهمة الصعبة وهي اقناع سوريا بمطالب المنتفضين فيما انصرف الباقون الى معالجة احداث الجنوب . ووعدت سوريا شخصيات دينية وسياسية وعسكرية بانها ستكفل سلامة المدنيين المسيحيين اذا انسحب مقاتلو القوات من شرق صيدا واقليم الخروب ، وتولت هذه الشخصيات اقناع “الانتفاضة”، بضرورة الانسحاب ، واضعة رصيدها الشخص والمعنوي ضماناً علنياً لهذا الأمر. فانسحب مقاتلو القوات ، وسقطت المناطق التي غادروها الواحدة تلوالاخرى وجرفت كل الضمانات التي اعطيت ، خطية وشفوية في آن .

وشرح جعجع في اول ايار 1985 ان مجموعات مسلحة من فلسطينيي “ابو موسى” ومن الدروز الاشتراكيين والشيعة من “امل ” اجتاحت قرى قضاء الزهراني المسيحية التي كانت تنعم منذ مدة طويلة بوقف للنار جرى الاتفاق عليه برعاية الدولة اللبنانية. وذكر ان رئيس الحكومة رشيد كرامي والوزراء سليم الحص ووليد جنبلاط ونبيه بري وغيرهم اكدوا خلال اتصالاتهم المباشرة مع المسؤولين المسيحيين على التزامهم تأمين سلامة القرى الجنوبية المسيحية في حال انسحاب القوات اللبنانية . وحصلت القوات كذلك على ضمانات من سوريا ومن الحكم اللبناني لحماية الجنوب واقليم الخروب ، لكن كل الضمانات كانت خدعة والمخطط المرسوم تم.

وجاءت المفاجأة الثانية من داخل القيادة الجماعية للقوات . ففي اجتماعها الاسبوعي العادي الذي انعقد الخميس 9 ايار، طالت الجلسة أكثر من المتوقع ودار الهمس بين الصحافيين ان شيئاً ما يحدث في الداخل وان الجدل يتركز حول رسالة وقعها جعجع وارسلها الى الجميَل وفيها:

بيروت فى 7/5/1985

فخامة الرئيس الشيخ أمين الجمَيل المحترم .

بناء على الاتصالات التى جرت فيما بيننا حول موقف الانتفاضة من الشؤون الوطنية والسياسية والامنية ، ومنعاً لكل تأويل او سوء فهم ، نتقدم من فخامتكم بالتأكيدات التالية :

أولاً: تعلن الانتفاضة ان لا علاقة لها باسرائيل وهي على اتم الاستعداد لأتخاذ التدابير المترتبة على هذا الاعلان .

ثانياً: توافق الانتفاضة على التوجهات الحالية للحكم في ما يتعلق بأقامة علاقات وثيقة مع الجمهورية العربية السورية ، وهي راغبة تماماً في اتخاذ المواقف الملائمة لهذه التوجهات .

ثالثاً: ترى الانتفاضة انه لا بد من اصلاحات جذرية في البنية السياسية والادارية للدولة اللبنانية انطلاقاً من المسلمات المتفق عليها في حكومة الوحدة الوطنية .

رابعاً: تعتبر الانتفاضة ان سيادة لبنان واستقلاله ووحدته تتم عن طريق موافقة كل الأطراف على بسط الشرعية اللبنانية على كامل أراضي لبنان وهي مستعدة في هذا الاطار لتسليم الشرعية جميع المرافق .

هذا ما رأينا تأكيده لكم مساهمة منا في وقف الاقتتال والوصول الى حالة السلام والاستقرار التي يستحقها وطننا لبنان .

واقبلوا يا فخامة الرئيس كل احترام .

سمير جعجع.

فماذا تبدل بين 12 آذار و 7 أيار، اي ثلاثة اشهر بعد الانتفاضة ؟

يقال ان الاتصالات نجحت في التقريب بين وجهات نظر الحكم و”الحكيم ” اذ كان السوريون يحضرون لردة فعل على الانتفاضة متذرعين خصوصاً بأن الجميَل فقد صفته التمثيلية منذ باتت الاوراق بين ايدي المنتفضين. فاتفق المنتفضون مع الجميَل على مواجهة ردة الفعل السورية متحدَين بحيث يكمل رئيس الجمهورية الاتصال بسوريا ويترك للمنتفضين الحق في ابداء رأيهم في اي اتفاق محتمل . وهكذا وقَع جعجع على الرسالة .

ويبدو ان حبيقة كان على علم بالرسالة ، اذ ارسل اليه جعجع وبقرادوني نسخة عنها لكنه تذرع بأن استخباراته “اكتشفتها” فكانت اداته ليقلب الاوضاع داخل القيادة الجماعية .

ففي 9 أيار، اي بعد يومين على رسالة جعجع الى الجميل ، انعقد اجتماع عادي للهيئة التنفيذية ، وخرج الاعضاء بعد ساعتين ونصف ساعة – و50 يوماً على الانتفاضة- ليعلنوا انتخاب ايلي حبيقة رئيساً للهيئة . واستدعى بقرادوني الصحافيين الى مكتب جعجع وتلا عليهم بياناً مطبوعاً على الدكتيلو، . قيل ان حبيقة اعدَه قبل الاجتماع – يتضمن الخطة الجديدة لتحرَك القوات بعد تولي حبيقة قيادتها. ومن ابرز نقاطها الوصول الى “صيغة وفاقية جديدة للبنان جديد”، العودة الى “اصول الحوار والثقة والتعايش والصراحة والمصير المشترك بعيداً من منطق الغالب والمغلوب ” ، التوجه الى الرئيس سليمان فرنجيه لتجاوز “مأساة الشمال بقلوب مسيحية حقة وتسامح كبير” . وحدَد حبيقة ثوابت مسيحية مثل “استقلالية القرار المسيحي” ، وكون القوات اللبنانية “وسيلة دفاع عن المجتمع وليس اداة حرب على الآخرين ” . واعلن ” حتمية العودة الى العمل مع المحيط العربي” ولا سيما مع سوريا. ولقي كلام حبيقة صدى ايجابياً في آذان العرب .

الذين سمعوا بالخبر حكوا عن ” انقلاب ابيض ” داخل القوات . وغاب نجم جعجع واحتلَ حبيقة المكان وتحرَك داخلياً على خطَ المصالحات بين المسيحيين ، وخارجياً على طريق الشام وخط فتح الحوار مع المسلمين . وانشغل اللبنانيون بالاتفاق الذي راحت تهيىء له دمشق ولم ينتبهوا جيداً الى التباعد الذي راح يزداد مع الوقت بين جعجع وحبيقة حول “الاتفاق الثلاثي” ، اولاً، والتنظيم الداخلي للقوات ، ثانياً. وطغت الحرب الكلامية بين حبيقة والرئيس الجميَل على ما عداها وترافقت مع خطف متبادل واتهامات عنيفة ومعارك سقط فيها قتلى وجرحى. وعبثاً حاول حبيقة اقناع المسيحيين بقبول بنود الاتفاق الثلاثي الذي وقعه في دمشق مع بري وجنبلاط في حضور خدام وحشد من الشخصيات اللبنانية . فعشية التوقيع ، اي في 28 كانون الاول 1985، نال الاتفاق في بكركي بالذات رفضاً قاطعاً من غالبية الشخصيات المسيحية ، سياسية ودينية ، وحتى من اولئك الذين ايَدوا حبيقة في بداية انفتاحه على المسلمين وسوريا، لأنهم وجدوا في الاتفاق ما يمس بجوهر النظام اللبناني وليس فقط بالصلاحيات المعطاة لرئاسة الجمهورية .

ولما يئس حبيقة من حلفائه وخصومه داخل الصف المسيحي، فكَر بحسم عسكري يبدأ باحتلال المتن ، اي العمق الجغرافي لأمين الجميَل ، من أجل فرض الاتفاق على الجميع . وطلع فجر الاثنين 13 كانون الثاني 1986 على المناطق الشرقية حاملأً النار والبارود، بينما الرئيس الجميَل في بكفيا يستعد للصعود الى الهليكوبتر التي ستنقله الى دمشق ليعقد فيها والرئيس حافظ الاسد القمة الحادية عشرة في اربع سنوات من الحكم . واطمأن الجميَل قبل مغادرته البلاد الى ان الدفاع عن المتن فعَال وان جعجع لن يتورط مع حبيقة في مثل هذا العمل العسكري وان الجيش لن يدع احداً يمسَ الشرعية ومقرها الاساسي ، قصر بعبدا.

ولم يحسم حبيقة المعركة ، بل توقف القتال ظهرأ على تراجع واضح لمسلحيه . وشهد الثلثاء وضعاً طبيعياً وانتشر الجيش في معظم المناطق الشرقية بينما الجميَل يغادر دمشق على رفض للاتفاق الثلاثي ومطالبة جدَية باحالته على مجلس النواب لدراسته واقراره في حال الموافقة عليه . واعلن خدَام في المطار، بعيد سفر الرئيس، وبعصبية واضحة ان لا قمم بعد الآن وان .. الآتي اعظم .

وفي اليوم التالي ، اى الاربعاء 15 كانون الثاني، حسم جعجع والموالون للجميل امر حبيقة الذي انتقل ليلاً الى وزارة الدفاع في اليرزة بعد يوم طويل من الاقتحامات والمعارك التي سقط فيها عدد كبير من القتلى . وتبدل الجو السياسي وبات واضحاً ان الامر استتب لجعجع في القوات ، فانسحب من هيئتها التنفيذية كل المؤيدين لحبيقة .

وضمن الجميَل هذه المرة ، وبمساعدة خصم الامس اللدود، استمرار خطَه الرافض التنازلات التي تضع لبنان ، سياسياً وعسكرياً، تحت رحمة القرار السوري.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s